قصص الثورة

الشرطي الحائر

في فترةِ تَواجدِنَا فِي السِّجْنِ وبسَبَبِ احتكاكِنَا ببعضِ الشُّرْطَةِ قَد أَثَّرَ ذَلِكَ علَى بعضِ الشُّرْطَةِ لدرجةِ أن بعضَهم كان يَأتِي ليُصلِّي معَنَا جمَاعةً خِفيَةً خشيةَ أن يَرَاهُ بعضُ السجَّانين الذِين هم معه فِي نوبةِ العمل.

أحدُ الشُّرْطَةِ انفتحَ بشكلٍ كبيرٍ عليَّ ذَلِكَ أنَّي قَد نَصحتُه عدَّةَ مرَّات بأن يَترُكَ هذَا العملَ الذِي يعملُه لأن فيه إعَانةً للظَّالمين، وقَد يُحشَرُ يَوْمَ القيَامةِ ومكتوبٌ علَى جبينِه آيسٌ من رحمةِ الله.

كان أَولُ حديثٍ لي معه هو بسَبَبِ سُؤالِه إيَّايَ عَن وضوئِه للصَّلَاةِ هل هو صحيحٌ أَو أن فيه خطأ، وبَدَأَ يسألُني الأسئلةَ الفقهيَّةَ التِي تَدُلُّ علَى أن مستواه الثَّقافِيَ بسيطٌ جِدًّا ولكن بَاطِنه نظيف، وهو فِي بيئةٍ مُلوَّثَةٍ بكلِّ التلوُّثاتِ الأَخْلَاقِيّة. هو شخصٌ بسيطٌ جِدًّا و يَنحدِرُ من عَائلةٍ بَسيطةٍ طَيِّبة.

وبعد أن كَثُرَت أسئلتُه عَرفتُ أنَّه يُعَانِي من الحاجةِ للزَّواج، وقَد دعوتُه لأن يتزوَّجَ بدلًا من النَّظرةِ الحرَامِ التِي تُشعِلُ نَارًا فِي صدرِه ولَا تُطفِئهَا، وكنت دَائمَ السُّؤالِ عَن أحوالِه الشَّخصِية، حتَّى شَعَرَ بأنِّي أَصْدُقُه القَول، وأنِّي لَا أرجو منه منفعةً فِي السِّجْنِ ولَا خَارِجَه وإنَّمَا أنصحُه لوجهِ الله وفي سبيلِ الله لَا أرجو منه جزاءً ولَا شكورًا.

هذَا الأمرُ جعلَه يَنفتِحُ تدريجيًّا عليَّ وقَد أسرَّ لي بأنَّه يبحثُ عَن زوجةٍ وأنَّه دَخَلَ المقابلةَ ومُجريَاتِ الزَّواجِ وتَفاصيلِه وكان يشكو لي بعضَ الاختلَافاتِ التِي تحصلُ بينه وبين زوجتِه ويسألُني عَن طُرِقِ حلِّ الاختلَافات وكُنتُ أَنصحُه صادقًا.

هذَا الأمرُ وَلَّدَ علَاقةَ مَعزَّةٍ كبيرةٍ يُكِنُّهَا لي هذَا الشُّرْطِي كُنتُ أقرأُهَا فِي نظرَاتِه وفي كَلمَاته،  فِي اليَومِ الذِي صَدَرَ فِيه قرَارُ الإفرَاج عَنِّي كان يَأتِيني كلَّ خمسِ دقائق ويَطلِبُ منِّي الجلوسَ والتَّحدَّثَ معي قبل الإِفرَاج عَنِّي، قلت له: أَنْتَ أستطيعُ أن أجلسَ مَعَكَ حتَّى فِي خارجِ السِّجْن، أَمَّا إخوتي المُعْتَقَلون فَهَذِهِ هِيَ آخرُ لحظاتٍ أَقضِيهَا معهم، هم أخوةٌ وأَعزَّةٌ ورفقاءُ دَربِ الجهَادِ ضِدَّ الطُّغاة والظَّالمين.

كُنتُ أَكنُّ لهم كلَّ المحبَّةِ والمعزَّةِ والمودَّةِ وكان فِرَاقِي لهم يُمثِّلُ ألمًا كبيرًا ولكن لَابد لي من أن أُكمِلَ المشوارَ الذِي حُرِمتُ بسَبَبِ اِعْتِقَالي أن أُواصِلَه، مشوارُ الجهَادِ والنِّضالِ ضِدَّ العصابةِ التِي تحكمُ بلدنَا الحبيب…

كثرةُ إصرَارِ الشُّرطِي علَى الجلوسِ والتحدُّثِ معي دَفعَني أن أُعطيَه ربع سَاعةٍ للحديث معه، كان يَتحدَّثُ وهو يَتلعثمُ فِي كلمَاته، كانت كلمَاتُه تخرجُ غُصَصًا وألمًا عَلِمتُ أنَّهَا مَشاعِرُ المحبَّة،  كان يقولُ لي أنِّي أَشكُرُكَ كثيرًا لقَد أثَّرتَ فيني وفي شَخصيَّتي الكثيرَ وفرَاقُك عليَّ صعبٌ عسير، ولكن كُنتُ أَودُّ أن أشكرَك، وأن أسألَك هل من طريقةٍ للتَّواصُلِ دون أن ألتقيَك؟

وقال: أَنْتَ قلتَ أنَّ عَملِي حَرَامٌ وأن فيه إعَانةً للظَّالمين كيف أُكفِّرُ عَن خَطئِي وذَنبِي ؟

وقصَّ عليَّ قِصَّته وكيف أنه كان يَعِيشُ حيَاةَ الفقرِ والضَّعفِ ولكن بسَبَبِ التحاقِه بهذَا العملِ تَحسَّنَ وضعُه المعيشي وأن خروجَه من العملِ ورجوعَه لذَلِكَ العملِ القَديمِ يُمثِّلُ انتكاسةً كبيرةً فِي حَيَاتِه، وأنه لَا يستطيعُ أن يعودَ بحيَاتِه للورَاء، ولكن ضَمِيرُه يُؤنِّبُه كثيرًا بسَبَبِ الكلمَاتِ التِي سَمِعَهَا مني، فكان يسألُ مَا العمل؟

أجبتُه بأنَّ عليه أن يقضيَ حوائجَ المُعْتَقَلِين المظلومين وأن يتعَاونَ معهم، وأن يُلبَّيَ احتيَاجاتهم، وأن لَا يَقسوَ عليهم، علَّ وعسَى أن يكونَ ذَلِكَ كفَّارةً لجُرمِ عملِه الذِي يقومُ به.

طَأطَأَ رأسَه وقال: إني سَأحتاجُك كثيرًا ولكن يصعبُ عليَّ أن ألتقيَك، وأن أستفسرَ منك، وأن أسألَك بكلِّ أَريَحِيَّة.

المصدر: كتاب ألم وأمل (تجربة واقعية في سجون البحرين)
سماحة السيد مرتضى السندي
أضف تعليق

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

To Top