قصص الثورة

المحاكم: الجلَاد هو الحاكم

جَاؤُوا بالباصِ مُحاطًا بالمدنيين والذِي يَغلبُ عليهم المدنيون البحرينيون وقَد كَانُوا كَاشفِي الوجوه، فِي هَذِهِ الرّحلة، عَرَفنَا أن أغلبَهم كان مِمَّن شاركَ فِي تَعْذِيبِنَا، والتَّلذُّذِ بإهَانتنَا وإذلَالِنَا حِينَ كُنَّا فِي سرَاديب الظَّلَامِ والعَذَاب…

هَا هو الجلَّادُ يَجُرُّ الضَّحيةَ لقاضٍ تَواطَأَ مع الجلَّادِ ضِدَّ الضَّحية، فِي مسرحيةٍ فَجَّةٍ لإيهَامِ المُجتمَعِ الدولي بأنَّنَا فِي مَحاكِمَ قضائيةٍ ونحن نَعلمُ أن هَذِهِ المحاكمَ هِيَ سِيَاسِيَّةٌ بامتيَاز،  وأن قرَارَاتهَا تُؤخَذُ فِي غُرَفِ التَّعْذِيبِ وليس فِي قَاعَاتِ المحاكم.

أَخَذُونَا جميعًا فِي دفعةٍ واحدةٍ ويَظهَرُ أنَّهم كَانُوا مُستَنفِرِين أمنيًا. وَزَّعُونَا فِي المحكمةِ علَى عدَّةِ قاعَاتٍ وعلى عدَّةِ قضايَا.

عَرَفتُ فِي المحكمةِ التُّهمَ المُوجَّهةَ ضِدِّي، وقَرأتُ إفادتي لأَوَّلِ مَرَّةٍ فِي المحكمة، ولم يُسمَح لنَا أن نَلتقِيَ بمحامين يُدَافِعون عَنَّا، وأَجَّلَ القَاضِي الجلسة.

التقيتُ بالمحاميةِ التِي تُدَافِعُ عَنِّي بعد الجلسةِ الأولى لمدَّةِ دقائق معدودةٍ وقَرأَت إفادتي فِي هذَا اللِّقاءِ وقَد كان فِيهَا أشيَاءٌ لم أذكرهَا فِي التَّحقِيقِ ولَا فِي غيره، ولكن هِيَ قضيةُ انتقامٍ من شَعْبٍ أرَادَ أن يَتحرَّرَ من القُيودِ وأن يكسرَ جِدَارَ الصَمْت.

في الجلسَاتِ التِي تَلت هَذِهِ الجلسةَ كُنَّا نُؤخَذُ فِي سيَّارةٍ مُصفَّحة، وهي غير مُكيَّفة، وتكونُ حارَّةً جدًّا، ويَفصِلُ بيننَا وبين الشُّرْطَةِ شَبَكٌ حديدي، وخلفَ الشُّباكِ شُرطِي يَقبِضُ علَى زِنَادِ سِلَاحٍ رَشَّاش فِي يَدِه، فِي إشارةٍ إِلَى استعدَادِه للإطلَاقِ إذَا حصلَت أيَّةُ مُحاولةِ هروب، ويُحِيطُ بهَذِهِ السيَارةِ موكبٌ من أمَامِ وخلفِ هَذِهِ السيَارة،  سيَارَاتٌ للشُرْطَةِ المدنيين والعسكريين.

كُنَّا نمرُّ علَى أحدِ جسري المحرَّقِ المرتبطين بالعَاصمةِ المنَامة، ونَدخُلُ للمنطقةِ الدبلومَاسية، ونَصِلُ إِلَى المحكمة التِي كانت مليئةً بالقُوَّاتِ الأَمنيَّةِ التِي تَنتَظِرُنَا، قبل دُخولِنَا لدَاخلِ المحكمةِ لَفَتَ انتباهِي سيَّارَاتُ الشُّرْطَةِ المُلطَّخةُ بالأصباغِ فعَرَفتُ أن هيبةَ النِّظَامِ قَد سَقطَت من أعينِ النَّاس، لَا أنسَى الغلظةَ التِي كان يتعَاملُ الشُّرْطَةُ المسؤولون عَن أمنِ المحكمةِ بهَا معَنَا ومع أهالينَا.

كُنَّا إذَا نمرُّ فِي المحاكمِ والقُيودُ فِي أَيدِينَا والشُّرْطَةُ تحيطنَا من كلِّ جانبٍ أرَى بعضَ أَصدقائِي مِمَّن يعملون فِي المَحكمةِ فأُسَلِّمُ علَى بعضِهم فيَتخفَّى بعضُهم عَن السَّلَامِ عليّ، والبعضُ الآخر يَتشوَّقُ لرؤيتنَا، ونحن نمرُّ بجوارِه، وكان يَنتظِرُ لَحْظَةَ دُخولِنَا ولَحْظَةَ خُروجِنَا ليُسلِّمَ علينَا بابتسَامةٍ خَفِيَّةٍ لكي لَا يرَاهَا الجَلَّادون.

أهلُنَا الذِين كَانُوا يَحرصُون علَى حُضُورِ الجَلسَاتِ نَرَى فِي أعينِهم حزنًا ممتزجًا بأمل، حزنٌ علَى المشهدِ الذِي نحنُ عليه، وأملٌ لأنَّهم يرون فِينَا قُوَّةً ورباطةَ جَأشٍ تَغِيظُ الجلَّادين.

في إحدى الجلسَات كُنَّا نَنتَظِرُ قَاضِي المحكمةِ فبَادَرَ أحدُ الجلَّادين بسؤالنَا مَا هِيَ قَضِيَّةُ وقِصَّةُ فخرَاوي ؟

وكيفَ يَدَّعِي أهلُه أنَّه قُتِلَ فِي التَّعْذِيبِ عِندنَا؟ وكان يُبدِي استغرَابَه من ادعَاء أهلِه بأن الشَّهِيدَ تَعرَّضَ للتَعْذِيب.

فأَغاضَنِي الكَلَامُ كثيرًا ولم أَحتمِل كلَامَه فقلت له: نَعَم أنتُم من قَتَلَ فخرَاوي، وقَد كُنتُم تَنوُون قتلنَا جميعًا، التَّعْذِيبُ الذِي وَقَعَ علينَا كان يُؤدِّي إِلَى قتلنَا جميعًا، لولَا لُطفُ الله سُبْحَانَهُ وتَعَالَى لمَا بَقِيَ أحدٌ مِنّّا علَى قيدِ الحَيَاة.

 أَنَا شاهدٌ علَى قَتلِكم لفخرَاوي فقَد كُنتُ فِي سِردَاب القلعةِ حِينَ قَتلِه فكيفَ لكم أن تُنكِرُوا؟!!

فقال: أَنَا لَا عِلمَ لي لكن الطَّبيبَ يقولُ إنَّه بسَبَبِ هُبُوطٍ فِي الدَّورةِ الدَّموية.

قلت له: الطَّبيبُ طَبِيبُكم ويقولُ مَا تَطلِبُون منه أن يقول.

صَمَتَ وصَمَتُّ.

وفي إحدى الجلسَاتِ الَأُخرِ طَلَبَ المحامون من القَاضِي أن يَسمَحَ لنَا بلقاءِ أهلينَا وكُنَّا لَا نستطيعُ الحديثَ مع أهلِنَا فِي الزِّيَارَاتِ بسَبَبِ التَّشدُّدِ فِي الزِّيَارةِ والتَّهديدِ قبل وبعد الزِّيَارةِ بالضَّرْبِ والإِهَانة.

وقَد سُمِحَ لنَا أن نَتحدَّثَ لمدَّةِ دقيقتين تقريبًا فأَخبَرتنِي أُمِّي العزيزةُ بأنَّ التَّظَاهُرَاتِ لم تَتَوقَّف وأَنَّهَا مُستَمِرَّةٌ وأنَّ المُواجهَاتِ فِي كلِّ القُرَى حتَّى فِي قَريَتِنَا التِي لم تَشهَد أيَّةَ مواجهةٍ مع الشُّرْطَةِ قبل الثَّوْرَة، مِمَّا يَعنِي أن لهبَ الثَّوْرَةِ قَد امتدَّ لكُلِّ البحرين، وأن شَرَائِحَ جديدةً قَد نَزَلَت ميدَانَ المُواجهةِ مع النِّظَام.

انتهت الإجازةُ التِي أُعطِينَا إيَّاهَا بسُرعةٍ فَائِقةٍ وقَد كُنَّا مُتعطِّشِين لأخبارِ السَّاحةِ خَارِجَ السِّجْنِ بشكلٍ كبير.

حِينَ يَسمَعُ المُعْتَقَلُ عَن صمودِ النَّاسِ فِي الخارجِ يَزدَادُ صَلَابةً وقُوَّة، وحِينَ يسمعُ عَن ضعفِ الحرَاكِ يُصابُ بالإحباط، وقَد كان جميعُ المُعْتَقَلين يَتمنَّون أن يكثرَ الحرَاكُ الشَّعبي من أجلِ الضَّغطِ علَى النِّظَامِ من أجلِ تَحقِيقِ المطَالبِ ومن ضِمنهَا الإفرَاجُ عَن المُعْتَقَلِين، ومِمَّا يُؤسِفُ له أن كثيرًا من الذِين خَرجُوا من السِّجْنِ لَا يشاركون فِي الفعَاليَّاتِ التِي تُشكِّلُ ضغطًا علَى النِّظَامِ ليُفرِجَ عَن المُعْتَقَلين…

كان من ضمن الشُّرْطَةِ الذِين يَعملُون فِي أمنِ المحكمةِ شُرْطَةٌ بحرينيون -شيعة- يُبدُون تعَاطُفَهم معَنَا إلَّا أنَّهم يُنفِّذُون أَوامرَ مسؤولِيهم بالتَّشَدُّدِ فِي التَّعَاملِ معَنَا فيُنفِّذُون وهم يَعتذِرون. كُنتُ أَرَى فِي أعينِهم انكسَارًا فأُحاوِلُ أن أَجبُرَ انكسَارَهم بابتسَامةٍ تُشعرُهم بأنَّنَا أقَوِيَاء..

كان القَاضِي مِصرِيَ الجنسيةِ والتهمةُ الموجَّهةُ لنَا هِيَ إشاعةُ أخبارٍ كاذبة، جمعوا بعض الذِين تتشابَه قضايَاهم مع بعضهم البعض فِي قضيةٍ واحدةٍ مع أنَّ من هم معي لم أكن أَعرِفُهم من ذي قبل، وهم:

أحمد مهدي (أبو عمَّار المقابي)، حسين أحمد أكبر، عباس أبو تاكي، سَيِّد هَاشم الهَاشمي.

في الجلسةِ الأُولى أشرنَا إِلَى أنَّنَا لم يتمَّ عرضُنَا علَى النِّيَابةِ وأن الأقوالَ التِي أُخِذَت مِنَّا هِيَ تحتَ وطأةِ الإكرَاهِ والتَّعْذِيبِ إلَّا أن القَاضِي لم يُعِر كلَامَنَا أيَّ اهتمَام.

تَوَالَت الجلسَاتُ الواحدةُ تِلوَ الأخرى، ومن حُسنِ حَظِّنَا أن القَاضِي كان يُسرِعُ فِي تتابعِ الجلسَاتِ فكان لنَا فِي كلِّ أسبوعٍ جلسةٌ تقريبًا، بخلَافِ القَضَايَا الأخرى للأخوةِ الذِين هم مَعَنَا فِي السِّجْن،  فقَد كانَت المهلةُ التِي بين الجلسةِ والأُخرى تَصِلُ إِلَى عشرين يَوْمًا أَو أقل بقليلٍ أَو أكثر فِي بعض الأحيَان، هذَا الأمرُ سَاعدَ فِي أن يتمَّ إصدَارُ الحكمِ علينَا مُبكِّرًا وذَلِكَ بعد عدَّة جلسَات.

في تاريخ 2/10/2014م صَدَرَ الحكمُ القَضائِي  المُسَيَّسُ علينَا بالسَّجْنِ لمُدَّةِ 6 أشهر وكُنتُ قَد أَمضَيتُ فِي السِّجْنِ 6 أشهر ونصف الشهر. وهذَا مَا أَدَّى إِلَى صُدُورِ قرَارِ الإفرَاجِ عَنِّي وعَن السَّيِّد هَاشم الهَاشمي لأنَّنَا أَمضَينَا مُدَّةَ محكوميتنَا.

خَرَجتُ من قاعةِ المحكمةِ ورَأَيتُ أُمِّيَ العزيزةَ التِي لم تتمَالك نفسهَا وقَد ذَرَفت بعضَ دُموعِ الفَرحِ علَى وجنتيهَا فتَوَجَّهتُ للسَّلَامِ عليهَا أَرَادَ الشَّرطِي أن يَمنعَنِي إلَّا أنَّني لم أَستجِب له وقَبَّلتُهَا علَى رأسهَا،  سأَلتنِي هل سيُفرَجُ عَنك يَا بُني قلت لهَا نَعَم بإذن الله اليَوم أَو غدًا.

جَرَّنِي الشُّرطِي ليُبعِدَنِي عَنهَا وأَخذَنَا للسِّجْنِ وقَد استقبلَنَا الأخوةُ فِي السِّجْنِ بالفرحِ والتَّبريكِ والتَّهَاني.

المصدر: كتاب ألم وأمل (تجربة واقعية في سجون البحرين)
سماحة السيد مرتضى السندي
أضف تعليق

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

To Top