قصص الثورة

تغيرَات عجيبة غريبة متسَارعة

الضَّابِطُ المسؤولُ عَن السِّجْنِ (بدر إبرَاهيم الغيث) كان شَدِيدًا قاسيًا ظالمًا لَا يَعْرِفُ الله ولَا يَتَّقِي اللهَ فينَا، فقَد كان يَتلذَّذُ بضَرْبنَا وإرهَابِنَا وإذلَالِنَا ليلًا ونهَارًا،  فقَد كان يمرُّ علَى الزنَازين ويَضرِبُ كلَّ من فِيهَا ويَسبُّه ويَسبُّ كلَّ مُتعلِّقِيه ومُقَدَّسَاتِنَا بدون أيِّ خَجَلٍ أَو حَيَاء،  ذَلِكَ الوحشُ الذِي لَا يَعْرِفُ الرَّحمةَ فِي ليلةٍ وضُحَاهَا يُرِيدُ أن يَتحوَّلَ إِلَى حَمَلٍ وَدِيعٍ يُلَاعِبُ المُعْتَقَلِين ويَضحكُ معهم ويَبتسِمُ معهم !!!

مَا الذِي جرى ومَا الذِي يجري؟

في أحدِ الأَيَّامِ فَتَحَ الزِّنْزَانَةَ أحدُ أفرَادِ الشُّرْطَةِ من جلَاوزةِ الضَّابِطِ اللَّعين وقالَ لنَا مَسرورًا بأن الضَّابِطَ اليَومَ مسرورٌ ونَفسيَّتُه مرتاحةٌ وهو يمرُّ بالزَّنَازين ويَسألُهم عَن طَلباتِهم فلَا تَتَردَّدُوا من طلبِ أي شيءٍ تريدونه!!!

تَعجَّبَ كلُّ من فِي الزِّنْزَانَةِ وبَدَا كلُّ واحدٍ مِنَّا لَا يُصدِّقُ مَا قيل…

مَا هِيَ إلَّا لحظاتٌ حتَّى دَخَلَ علينَا الضَّابِطُ اللَّعينُ ومعه بعض جلَاوزته الذِين كانُوا يَتلذَّذون بتَعْذِيبنَا وإهَانتِنَا وبَدَأَ بالسُّؤالِ عَن أَحوالِنَا وأَخبارِنَا وعَن مَا هِيَ احتيَاجاتنَا فهو بخدمتنَا!!!

فيتكلَّمُ المُعْتَقَلُ ويُسجِّلُ أحدُ الجلَاوزةِ مُتطلَّباتِ المُعْتَقَلين.

قال أحدُ الَّشباب: نُرِيدُ البيبسي، والمَجلَّات، والكُتُب، والتَّدخِين.

قال آخر: أَنَا كَذَلِكَ وأُرِيدُ أيضًا الطَّعَامَ من الأهلِ فِي الزيَارة.

وآخر: نُرِيدُ تلفاز..

وهكذَا…

-وَصَلَ عِندي:مَاذَا تُرِيد؟

-لَا أُرِيدُ شيئًا…

-اطلب مَاذَا تُرِيدُ فأنَا مزاجي اليَوم معتدل…

-لَا أريدُ شيئًا…

غادرَ الزِّنْزَانَةَ وسألَني بعضُ الشَّبابِ لِماذَا لم تَطلِب منه ؟

قلت: لَا أريدُ أن يكسبَ هذَا المُجرِمُ فِينَا أيَّ جميل، وأَخشَى أن نُطَبِّعَ العلَاقةَ معه ونظن أنه طَيِّبٌ كمَا يريدُ أن يظهرَ وجهُه القبيح…

مَا هِيَ إلَّا أَيَّامٌ حتَّى تَسرَّبت الأخبارُ عَن شيءٍ يُسمَّى بلجنةِ بسيوني التِي شَكَّلهَا الطَّاغيةُ حمد لعِلَاجِ المُشكلَاتِ التِي حَصَلَت ومُرَاقبةِ الوضعِ الحُقُوقِي فِي السُّجون…

قَامَ الضَّابِطُ اللَّعينُ ببعضِ التَّحسِينَات ومِنهَا فَتحُ الزَّنَازين واللِّقاءُ مع من هم فِي الزَّنَازين الأخرى،  وكان يَأتِي ويَتحدَّثُ مع بعض الموقوفين حتَّى تَعجَّبتُ من بعض إخوتِنَا الذِين طَبَّعُوا العلَاقةَ معه وكأنَّه لم يفعل لهم أيَّ شيءٍ من قبل….

هي البسَاطةُ والطِّيبةُ البَحرَانيَّةُ التِي نُعَابُ بهَا…

تَحوَّلَ كلُّ الجلَّادين من هذَا اليَوم إِلَى أصدقاءِ الضَّحايَا، والابتسَامة لَا تَكَادُ تُفارِقُ وُجوهَهم التِي لم نَرَهَا قبل هَذِهِ اللَّحْظَةِ لأنَّهم كَانُوا يُخفُون قُبحَ وجوهِهم بقِنَاعٍ لكي يَفعلُوا مَا يشاؤون وهم فِي مأمنٍ من أيِّ انتقامٍ أَو مُحاسبةٍ فِي المُستقبل…

مَا هِيَ إلَّا أَيَّامٌ حتَّى جَاءَت إلينَا لجانُ تَحقيقٍ شَكَّلهَا جهَاز الأمن الوطني الذِي كان يُشرِفُ علَى تَعْذِيبنَا وقَتلِ بعضنَا، وقَامَ بلعبِ دورِ القَاضِي المُنصِفِ يُسجِّلُون إفادَاتِنَا عَن سُوءِ المُعَاملةِ ويُبدُون تَعجُّبَهم حِينَ يَروِي المُعْتَقَلُ بعض مَا أصابَه من تَعْذِيبٍ وإهَانة !!!

الموقوفون انقسمُوا كعَادتِهم لعدَّةِ أقسَامٍ بعضُهم اشتكَى علَى كلِّ شيء، وقال إنِّي لن أخسرَ شيئًا، وليس لديَّ مَا أخسرُه فإن كانوا جَادِّين أخذتُ ببعضِ حقِّي، وإن كانوا غير جَادِّين لن أخسرَ شيئاً، وإن جَسدِي لم يعد يَخشَى السِّيَاطَ وهؤلَاءِ بطبيعةِ الحالِ قِلةٌ قليلة.

وهنَاك من خافَ أن يَنطِقَ ببنت شفة قائلًا: إن الأمورَ كلَّهَا بخيرٍ ولَا يُوجدُ أيةُ إسَاءةٍ ولَا يُوجدُ عِندي أيَّةُ شكوًى علَى أحد.

وهنَاك من اشتكى علَى الشُّرْطَةِ وتَغَاضَى عَن الضُّبَّاطِ وذَلِكَ ظنًّا منه أن هذَا الأمرَ سيُخفِّفُ من الانتقامِ المُحتمَلِ الذِي قَد يَحصلُ من الضَّابِطِ وجَلَاوِزته.

هَذِهِ الخُطَّةُ يستفيدُ منها جهَاز الأمن الوطني فِي  عدَّةِ أمور:

أَولَاً: إدخالُ الخوفِ فِي قلوبِ المُعْتَقَلِين وذَلِكَ حِينَ تأتي اللَّجنةُ الحقيقيةُ فلَا يتجاوبُ معهَا أحد.

ثانيًا: إقنَاعُ المُعْتَقَلِين بعدم جَدوائيةِ الكلَامِ وذَلِكَ من خلَالِ خوضِ تَجرِبةٍ فاشلة.

ثالثًا: التنبؤ بمَا سيُقالُ إِلَى اللَّجنةِ التِي ستَأتِي للقاءِ المُعْتَقَلِين ولكي يُحَضِّرُوا لأنفسِهم إجاباتٍ وطُرِقِ حلولٍ سَابقة.

جَاءَ وفدُ لجنة بسيوني بعد عدَّةِ أَيَّامٍ وقَد كان الوفدُ مُشكَّلًا من بحرينيين وأجانب، وكانت إدَارةُ السِّجْنِ قَد قَامَت بتغييرَاتٍ سريعةٍ بتَغييرِ بعض الشُّرْطَةِ وبعض الضُّبَّاطِ وعلى رأسِهم الضَّابِط المسؤول عَن إدَارة السِّجْن.

كان أفرَادُ اللَّجنةِ يَتحرَّكُون وتُرَاقِبُهم عيونُ الضُّبَّاطِ والشُّرْطَة، ويُلَاحِقُون من يَتكلَّمُ مِمَّن لَا يتكلَّمُ فِي مُحاولةٍ فاشلةٍ منهم للتَّقليلِ من المُتحدِّثين والمُشتَكِين علَى إدَارةِ السِّجْنِ والتَّعْذِيب.

وُزِّعَت علينَا استمَارَاتٌ عَامَّةٌ وتفاجأَ الوفدُ من أنَّ أغلبَ من فِي السِّجْنِ قَد تَعدَّى أربعة أَو خمسة أشهرٍ ولم يُقَدَّم إِلَى المحاكمة ولم يُعرَض علَى النِيَابة.

وقَد أَخبرُونَا بأنَّ علَى السُّلطةِ أن تُفرِجَ عَن المُعْتَقَلِين الذِين تَعدّوا ثلَاثة أشهر ولم يُقَدَّموا للنيَابة ولم يُعرَضُوا علَى المحكمة واستبشرَ الأخوةُ المُعْتَقَلِين كثيرًا ظنًّا منهم أنَّ بابَ الفرجِ قَد فُتِحَ وأنَّ الحريَّةَ أصبحَت قابَ قوسين أَو أدنى…

في الزِّيَارةِ الثَّانية جَاءَ الوَفدُ وأَبدَى استغرَابَه من بَقائِنَا فِي السِّجْنِ وقَد ذَكَرَ لنَا بأنَّ الوفدَ قَد تَحدَّثَ مع الطَّاغيةِ حمد وقَد أَوصَى الطَّاغيةُ بالإفرَاجِ عَنَّا وكيف أنَّ قرَارَاتِ الطَّاغية لم تُنفَّذ بعد…

وفي الزِّيَارةِ اللَّاحقةِ ذَكَرَ لنَا الوفدُ بأن القرَارَ السِّيَادِي ليس بيدِ الطَّاغيةِ حمد بل بيدِ المُشيِر رئيسِ قُوَّةِ دفاع البحرين الذِي بَرَزَ اسمُه ودورُه البشعُ فترةِ الطَّوارئ والحُكمِ العسكري فِي البحرين ضِمن الصَّلَاحيَّاتِ التِي فَوَّضَهَا له الطَّاغيةُ حمد.

بعد فَترةٍ عَادُوا وأَخذُوا بعضَ الشَّبابِ بعد خمسة أشهر من التَّعْذِيبِ للكشفِ فِي المستشفَى عَن مَا إذَا كانت هنَاك آثارٌ للتَعْذِيبِ أَو لَا!!!

نَعَم حصلَت تَغييرَاتٌ طفيفةٌ فِي الزِّيَارَات حَيثُ تَوسَّعَت فترةُ الزِّيَارةِ من 5 دقائق إِلَى ثلث سَاعة ومن 4 أشخاص إِلَى 7 أشخاص، وقَد كَانُوا يُحِيطُون بالمُعْتَقَلِ من كُلِّ جانبٍ ويَحسِبُون للمُعْتَقَلِ وأهلِه أَنَفَاسَهم فقَد أُعطِيَ المُعْتَقَلُ فُسحةً بسيطةً للحديثِ مع أَهلِه وقَد سُمِحَ للأهَالِي بجلبِ بعض الأطعمةِ من المنزلِ وسُمِحَ لهم بجلبِ الصَّابون والملَابسِ وأَدواتِ النَّظافة.

أَمَّا فِي دَاخلِ السِّجْنِ فقَد سُمِحَ لنَا بترتيبِ البَرَامجِ الثَّقافيَّةِ وتَبَادُلِ الزِّيَارَاتِ بين الزَّنَازين، وسُمِحَ لنَا بحُريَّةِ الحركةِ فِي دَاخلِ العَنبر، وسُمِحَ لبعض المُعْتَقَلِين بالعلَاجِ الذِي كَانُوا قَد حُرِمُوا منه فِي الفترةِ السَّابقة.

سُمِحَ لنَا بالصُّحفِ التِي تُعبِّرُ عَن وجهةِ نَظرِ السُّلطةِ كصحيفةِ «الوطن» و«الأَيَّام» و«أخبار الخليج» ومُنِعَت صحيفةُ «الوسط» التِي تُعتَبَرُ مُستقِلَّةً نوعًا مَا.

وسُمِحَ لنَا بجلبِ بعضِ الكُتُب، وتمَّ الحدُّ من مُضايَقَاتِ الشُّرْطَةِ لنَا.

المصدر: كتاب ألم وأمل (تجربة واقعية في سجون البحرين)
سماحة السيد مرتضى السندي
أضف تعليق

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

To Top