قصص الثورة

ريَال مدريد

شابٌّ وسيمٌ طويلُ الشَّعرِ أبيضُ البشرةِ لطيفٌ فِي تعَامله، غريبٌ فِي أطوارِه، هو منهم ولكن سلوكُه يَختلِفُ عَنهم، لهجتُه ليست كلَهجتِنَا فمَا بالُه يَعطِفُ علينَا !!!

كان مولعًا بالرِّيَاضةِ وكُرةِ القَدم، كان يأتينَا مُلَثَّمًا يُغطِّي وجهَه كباقِي السجَّانين،كان دَائِمًا يلبسُ اللِّباسَ الرِّيَاضِي وكان أغلبُ حديثِه إن لم يكن كلُّ حديثِه عَن الرِّيَاضةِ وكُرةِ القَدمِ وكان من مُشجِّعي فريقِ ريَال مدريد.

كان يَأتِي لغُرفتِنَا ويَتحدَّثُ مع السُّجْنَاءِ الذِين يُحبُّون كرةَ القَدمِ ويَتحدَّثُ بشَغفٍ عَن هذَا الموضوعِ والذِي كان مفتاحَ قلبِه الذِي تستطيعُ أن تدخلَ منه.

لم نَتعرَّض لأيِّ أذًى منه طوال فترةِ وُجودِي فِي السِّجْن، ولكن لم أَعْرِف سِرَّ ذَلِكَ الأمرِ إلَّا بعد خُروجِي من السِّجْن…

كان يَأتِي إِلَى زِنزانتنَا ويتَوَجَّهُ إليَّ بالحديثِ عَن كُرةِ القَدمِ وأَفْضَلِ اللَّاعبين وحَيَاةِ اللَّاعبين الخاصَّةِ وغيرهَا وأنَا كالأطرشِ فِي الزَّفةِ لأني لستُ مِمَّن يُتابِعُ كُرةَ القَدم ولَا مِمَّن يُحِبُّونهَا…

بعد أن تَكرَّرَ ذَلِكَ بشكلٍ يَوْمِي طلبتُ من الأخوةِ الذِين معي فِي الزِّنْزَانَةِ أن يُعطونِي بعضَ أسمَاءِ فِرَقِ كُرةِ القَدم وبعضَ أَسمَاءِ اللَّاعبين المشهورين، ومن الفِرَقِ الذِين عَرفتُهم فَرِيقُ برشلونة المُنَافِسُ القَوِي لفريقِ ريَال مدريد، وعَرفتُ بعضَ أسمَاءِ اللَّاعبين المشهورين مثل(كاكا، ميسي، وغيرهم مِمَّا لم تسعفني الذَّاكرةُ بالاحتفاظ بأسمَائهم)، فصارَ كلَّمَا دَخَلَ علينَا الزِّنْزَانَةَ كلَّمَا بادرتُه بالسُّؤالِ عَن هؤلَاءِ اللَّاعبين فيَذكُرُ لي بأن فلَان لم يَلعَب فِي هَذِهِ المبارَاة للسَّبَبِ الفُلَاني وإنه سوفَ يَلعَبُ فِي المبارَاةِ الفُلَانيةِ لهَذِهِ الأسبابِ ويَستَرسِلُ فِي الحديثِ من غير شُعورٍ كمَا إذَا فُتِحَ للعَاشِقِ أن يتحدَّثَ عَن معشوقِه فهو يتَكلَّمُ فقط لأنَّه يُحِبُّ أن يَتكلَّمَ عَنه…

كان يُشارِكُنَا لعبَ كرةِ القَدم، وفي إحدى المرَّات جَلَبَ كُرةً اشترَاهَا من حِسَابِه الخاص عليهَا شِعَارُ ريَال مدريد فمَا كان من الضَّابِطِ اللَّعينِ إلَّا أن أَخَذَهَا ومَزَّقَهَا بسكِّينٍ لأنَّه كان من مُشجِّعِي برشلونة!!!

بعد خُروجِي من السِّجْنِ وخُروجِ بعض أَصحابِي ذَكَرَ لي أحدُهم أنَّ «ريَال مدريد» – كمَا يُحِبُّ أن نُسمِّيه- قَد فَتَحَ قلبَه لأحدِ المُعْتَقَلِين وأخبرَه بأنَّ لديه مشاكلَ عَائِليَّةً وسَبَبُهَا أن  عمَّتَه قَد طلبَت منه أن يَخرُجَ من عمله أَو أن يُطلِّقَ ابنتهَا، لأنَّهَا تَعتَقِدُ أنَّه يعملُ فِي جِهَازٍ مُجرِمٍ يَرتَكِبُ الجَرَائِمَ ويَقتلُ أبنَاءَ الشَّعب. كانت عمَّتُه امرأةً سَنِّيةً من المحرق، فكان يُبرِّرُ عملَه  بأنَّه لَا يُؤذِي المُعْتَقَلِين بل إنَّه مِمَّن يُسَاعِدُهم وعلَاقتُه طَيَّبةٌ معهم، إلَّا أنَّهَا كانت تَرفِضُ ذَلِكَ وتَطلبُ منه أحدَ خيَارين إِمَّا ابنتهَا وإِمَّا العمل مع جِهَاز قاتل…

المصدر: كتاب ألم وأمل (تجربة واقعية في سجون البحرين)
سماحة السيد مرتضى السندي
أضف تعليق

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

To Top