قصص الثورة

نحن مقصرون

يوجدُ شرطي آخر كان يَخجلُ من أن يضعَ عينَه بعينِ المُعْتَقَلِين لأنَّه يَرَاهُم يَتعذَّبون ويُظهِرُ علَى ملَامحِ وجهه أنَّه يَتعذَّبُ لعَذَابِهم، أَول مرَّةٍ رأيتُه بعد شهرٍ ونصف من اِعْتِقَالي حَيثُ جَلَبَ إفادتي التِي مُنِعتُ من قرَاءتهَا لأُمضِي عليهَا. طَلبتُ منه قِرَاءَتهَا فقال لي ممنوع أن تقرَأَهَا.

 قلت له: وكيف أُمضِي شيئًا لَا أَعْرِفُ مَا هو؟ قال هكذَا هِيَ الأَوامر.. أَمضيتُ علَى ورقةٍ لم يتسنَ لي قرَاءتهَا حَيثُ جُلبَت لي السَّاعة الثَّالثة فجرًا بعد أن تَمَّ إيقاظُنَا بطريقةٍ مرعبة.

هذَا الشُّرطِي بعد أَيَّامٍ من العِشرةِ بَدَأَ يَقترِبُ من المسَاجينِ شيئًا فشيئًا، وحِينَ سمعَ أن الشُّرطِي اعتدَى عليَّ بالضَّرْبِ همَّ ليَضرِبَ ذَلِكَ الشُّرطِي فأَوقَفتُه وطلبتُ منه أن يهدأَ، وقُلتُ له أَنَا مسجونٌ وأَتحمَّلُ كلَّ مَا يُصِيبُني أَمَّا أَنْتَ فشُرطِي وإذَا قُمتَ بذَلِكَ فإنَّك لن تَنفعنِيَ كثيرًا بقَدرِ مَا ستضرُّ به نفسك، فهدِّأ من روعِك، فإنَّ فِي بقائِك منفعةٌ لغيري أكبر من منفعةِ ضَرْبِك إيَّاه.

تَعجَّبتُ من أَسئِلته كثيرًا ولم أكن أعلمُ أن هنَاك أشخاصًا ليس لديهم أَدنَى مستوًى من الثَّقافةِ فهو لم يكن يعلمُ بأن الإِمَّام الحسين عليه السلَام  هل هو إِمَّامٌ أم مرجعُ تقليد؟!! وهذَا هو أحدُ أسئلته لي، وتارة يَسألُني هل الصَّلَاةُ واجبةٌ أم لَا؟!!

عَلِمتُ حِيْنَهَا أَنَّنَا مُقصِّرون كثيرًا حَيثُ لم نستطع كعلمَاءِ دينٍ وطلبةِ علومٍ دينيةٍ أن نُبلِّغَ هَذِهِ الأحكامَ الضَّروريةَ  لمثل هؤلَاء وسَبَّبَ ابتعَادَهم عَنَّا.

كانَت تُعطَى لنَا وجباتُ الطَّعَامِ لكلِّ سجينٍ وجبةٌ واحدةٌ فتَتبقَّى بعضُ الوجباتِ الإضافيةِ فكان يمرُّ علينَا -هذَا الشُّرطِي – الزَّنَازين ليسألَ هل نقص أحدنَا شيء ليعطيَه وجبةً أخرى وهذَا الفعلُ لَا يفعلُه غيرُه من السجَّانين.

المصدر: كتاب ألم وأمل (تجربة واقعية في سجون البحرين)
سماحة السيد مرتضى السندي
أضف تعليق

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

To Top